السيد نعمة الله الجزائري

51

الأنوار النعمانية

ومن الأخبار ما رواه سيّدنا الأجلّ علم الهدى قدّس اللّه روحه من قوله صلّى اللّه عليه وآله انّ الميّت ليعذّب ببكاء الحيّ عليه ، وفي رواية أخرى انّ الميت يعذّب في قبره بالنياحة عليه ، أقول أجاب عن هذا الحديث المرتضى ره قال : والجواب إذا كنّا قد علمنا بأدلة العقل التي لا يدخلها الاحتمال والامتناع والمجاز قبح مؤاخذة أحد بذنب غيره وعلمنا أيضا ذلك بأدلة السمع مثل قوله تعالى وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى * فلا بدّ ان نصرف ما ظاهره بخلاف هذه الأدلة فالتي سئلنا عنها ان صحّت روايتها معناه انه من أوصى وصيا ان يناح عليه ففعل ذلك بأمره وعن أذنه فأنّه يعذّب بالنياحة عليه وليس معنى يعذب بها ان يؤاخذ بفعل النياحة وانّما معناه أنّه يؤاخذ بأمره بها ووصيته بفعلها ، وأنما قال النبي صلّى اللّه عليه وآله ذلك لأنّ في الجاهلية كانوا يرون البكاء عليهم والنوح فيأمرون ويؤكّدون الوصية بفعله ، وهذا مشهور عنهم ، ثمّ قال ويمكن ان يكون في قوله يعذب ببكاء أهله وجه آخر وهو ان يكون المعنى أنّ اللّه تعالى إذا أعلم ببكاء وأعزته عليه وما لحقهم من الحزن والهمّ تألّم بذلك فكان عذابا له والعذاب ليس بجار مجرى العقاب الذي لا يكون الّا على ذنب متقدّم بل قد يستعمل كثيرا بحيث يشمل الألم والضرر ، ألا ترى أنّ القائل قد يقول لمن أبتدأ بالضرر والألم قد عذّبتني بكذا وكذا كما تقول أضررت بي وألمتني وانّما لم يستعمل العقاب حقيقة في الألم المبتدا من حيث كان أشتقاق لفظه من العاقبة التي لا بدّ من تقدّم سبب لها وليس هذا في العذاب انتهى ويمكن ان يوجّه بوجه ثالث وهو ان يكون المراد ما تعارف في كل الأعصار من انّهم ينوحون على الميت ويعدّدون أوصافه الجميلة عندهم مثل قتل الأقران ، وصبة الغارات على المسلمين ونحو ذلك من الأوصاف التي يعذّب الميت عليها وهم ينوحون بها عليه . ومن الطرائف : ما نقله الزمخشري قال عظم على طيّ موت حاتم فأدّعى أخوه أن يخلفه ، فقالت له أمّه : هيهات شتان ما بين خلقتكما وضعته فبقى سبعة أيّام لا يرضع حتّى القمت ثديي طفلا من الجيران وكنت أنت راضعا أحدهما ( تأخذ الأخرخ ) وآخذا الآخر بيدك فأنّى لك ! . ومن الأخبار قوله صلّى اللّه عليه وآله انّ من البيان لسحرا ، وهو يحتمل المدح وهو الأشهر في معناه ، والذم أيضا ، امّا الأوّل فهو في أصله انّ من البيان بيانا غريبا على الأسماع يأتي عليها كالسحر ، وامّا الثاني فمعناه انّ من البيان بيانا ممّوها كما أن السحر ممّوه . ومن الأخبار المروحة ما رواه الصدوق قدّس اللّه روحه بأسناده إلى أبي بصير قال : سمعت الصادق عليه السّلام يحدّث عن أبيه عن آبائه عليهم السّلام قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله يوما لأصحابه أيّكم يصوم الدهر ؟ فقال سلمان : أنا يا رسول اللّه ، قال : فأيّكم يحيي الليل ؟ قال سلمان انا يا رسول اللّه ، قال : فأيّكم يختم القرآن في كلّ يوم ؟ فقال : سلمان انا يا رسول اللّه فغضب بعض أصحابه وهو عمر بن الخطاب فقال : يا رسول اللّه انّ سلمان رجل من الفرس يريد أنّ يفتخر علينا معاشر قريش ، قلت